الجمعة، 21 أبريل، 2017

كيف بإمكانك أن تتصدى للإشاعات والأقاويل ؟

إنها أكثر العادات الإجتماعية إنتشارا , تناقل الإشاعات والأقاويل , إبتدأ الأمر عندما تعلم الإنسان قدرة الكلام على تشكيل حياته والتأثير على حياة الإنسان الأخر , كما أننا جميعا تعرضنا لها مباشرة أو تعرض لها شخص مقرب نعرفه بدرجات متفاوته , كيف بإمكانك التعامل مع إشاعة تخصك أنت شخصيا ؟.

في البداية يجب عليك تقبـّل فكرة وجود مايكفي من الكراهية و الدوافع لدى الناس للنميمة  , هنالك ببساطة من يكرهك , هنالك من ينقل إشاعة سمعها عنك لأنه لا يعرفك , أو يدعّي أنه يعرفك , تناقل الإشاعات والأقاويل هو فعل له دافع واحد فقط : الكراهية .

مهما حاولت أن تعيش معزولا عن المجتمع , ستصيبك , وفي أغلب الأحيان أولئك الذين يتفادون الإختلاط تفاديا لهذه الشرور , عزلتهم تعتبر أرضية خصبة لزرع الأقاويل والإشاعات ...

هذه بعض النصائح التي قد تساعدك على التعامل مع التوتر والسلبية الناتجة عن تداول إشاعة تتحدث عنك :

 أولا : حاول أن تتجاهل مصدر الإشاعة , بحثك عن مصدر الإشاعة بسبب الصدمة التي تتعرض لها هو تصرف غير صحّي , وغير مجدي , وغير ضروري .

ثانيا : لا تحاول الإنكار , إن الناس يصدقون ما يحلو لهم دائما , محاولتك للإنكار أو التبرير هي محاولات غير ضرورية .

ثالثا : تأكد من أن تشعر ناقل الإشاعة بغبائه , إضحك! الإشاعة في غالب الأحيان نكتة سخيفة , تستحق الضحك والسخرية .

رابعا : حافظ على هدوئك , عند إنتشار الإشاعة لايوجد الكثير لفعله , كما إن إحتمالية إخفائها أو إسكات الناس ضعيفة جدا , إعلم أنك ستكون حديث الساعة اليوم , ولكن غدا ستنتشر إشاعة أخرى , وسوف  ينساك الجميع .

خامسا : إن علمت عن هوية الشخص الذي أطلق الإشاعة , واجهه , المواجهة ستضع الإشاعة في حجمها الحقيقي الضئيل .

سادسا : في حالة معرفة مصدر الإشاعة , إلجإ إلى القانون ..تقدم بشكوى إلى الجهة الرسمية المسؤولة في حالة شكلت الإشاعة مشكلة حقيقية فيما يتعلق بعملك , أو سلامة أفراد من عائلتك  .

سابعا : لا تخطط للإنتقام من ناقلي الإشاعة , هذا التصرف قد يجر بك إلى دائرة عنيفة من التراشق بالكلام .

ثامنا : لا تعطي للإشاعة الفرصة في السيطرة على حياتك و نظامك اليومي , وإن تعرضت لمضايقة من أحد لأنه صدق مايدور عنك من كلام خاطيء تخلّص منه , هذه التجارب هي زجاج شفاف يسمع لك برؤية قيمتك الحقيقية لدى الذين يدعون بحبهم وولائهم لك ..


وأخيرا حافظ على قربك من أصدقائك وعائلتك التي تحبك , و إبتعد عن المجالس التي تكثر فيها النميمة ولا تسمح لنفسك بنقل الإشاعات , و لا تصدق الإشاعات التي تنتشر عن الأخرين , فهي عادة كاذبة كتلك التي تتعلق بك ,  لا تختلق قصة غير حقيقية مهما كنت غاضبا من أحدهم , رضا الناس ليس غاية أو هدف فالنهاية لا أحد يجب عليه أن يهمك نجاحه و رأيه غير نفسك , إن الحياة وقت قصير وثميــن جدا .

الثلاثاء، 18 أبريل، 2017

عادات إنسانية : الطبخ , الجزء الأول ( النار) .

نحن الفصيلة الحية الوحيدة التي تطبخ طعامها , تعده , تضع للطعام دلالات روحية , طقوسا خاصة , ينتقتل ويتطور مع حياتنا حتى اليوم , في عصر نطبخ فيه القليل , نشاهد كميات هائلة من البشر يشاركون طبخهم على التلفاز , وعلى الإنترنت ..


قد يكون الإنسان إبتدع الطبخ للتخلص من عيبء عملية المضغ , هنالك ثديات تقضي نصف ساعات النهار وهي لا تفعل شيئا غير الأكل , والمضغ! ولصعوبة ما تحصل عليه هذه الحيوانات من غذاء , طريقة الغذاء تمنعهم من التطور , نحن الوحيدون الذين لا نتناول الطعام نيئا كما يجب ...

خلال عملية التطور , كانت التغذية مفتاحا مهما , هذا وإن لم تكن هي المفتاح الوحيد , لوصول الإنسان للصورة التي نعرفها الأن , عملية الطبخ سهلت على الإنسان هضم الطعام , بالتالي سهلت عملية تحرير الطاقة , وصغر حجم الفك المستعمل , وكبر حجم الجمجمة التي تحمل الدماغ , الوعي , الإنسان في جوهره .

لا أحد يعرف بالضبط كيف إخترع البشر الطبخ , ولكن أغلب النظريات ترجح فكرة إن الإنسان القديم قام بإشعال النار أولا , وإستعمل الماء ثانيا ,  ثالثا محاصيل الأرض  , وبطريقة ما وقعت إحدى فرائسه داخلها , وتذوق للمرة الأولى  اللحم المشوي , ثم تعلم صناعة أواني لتحمل الطعام فوق النار , وهكذا , وحتى اليوم لايزال الطعام المطهو على النار هو الأكثر تفضيلا لقربه من طبيعة الأكل الأسهل هضمنا والألذ طعما  ..


إستعمل البشر النار للتدفئة , للحماية , بل إن بعض الجماعات البشرية قدست النار , وقدست طقوس إشعالها , وجعلت منها ذات إلهيّة , يتبركّون بها , يمجدّون النار , جمالها , وخطرها , ولا تزال بعض هذه الجماعات تعيش إلى يومنا هذا بهذه العقيدة , تقديم القرابين للألهة هو عن طريق طهي لحوم الحيوانات اللي تم صيدها لتقديمها كقرابين مثلا ..


اليوم إستبدلت النار بمصادر أخرى للحرارة , الوقود , الكهرباء , ونسي الإنسان أنه إبتدأ كل شيء حولها , وأصبح المنظر يخص مناسبات قليلة , حيث يجتمع مجموعة من الناس حول وجبة بسيطة مطهوة على نار مشتعلة ...


ماهو التاثير البعيد المدى لتجاهل ظاهرة قذف المحصنات ؟ .

ماهو القذف للمحصنة :

هو خلق و نشر كذب أو أمر حقيقي يمس شخص المرأة في مايعرف بشرفها (عرضها , مكانتها الإجتماعية , حالتها العقلية *) , أو يضع حياتها الخاصة وخياراتها الخاصة كذلك موضعا للنميمة وإختلاق الإشاعات , ويتسبب في ضرر نفسي خطير للضحية , وللمقربين منها شخصيا  , وقد تصل أضراره إلى التسبب في جريمة قتل , داخل مجتمعات لا تعرف إلا السلاح والدم والتسلّط , ويعتبر القذف أشد أنواع السب والشتم فتكا .

نعم , شئنا أم أبينا يوجد هنالك من يختار طريقة حياة لا تبدو مألوفة لنا , وهذا ليس جريمة , ولا علاقة لها  بجنس الفاعل ..ولن نستطيع فعل شيء حيال ذلك إلا إحترام الإنسان الذي لم نخلقه , ولا نرزقه .


هنا يبدو النص القراني الكريم في تحريم هذه الظاهرة المريضة 


يغيب على الناس حجم كلامهم , بدون شك وبكل صراحة لقد كبرنا في مجتمعات ونحن نخشى النعوت , نحن نخشى أن نقذف كما تقذف الأخريات على مرأنا ومسامعنا وماذا نفعل غالبا ؟ لا شيء , نتسمّر من الخوف , الخوف من تلك النعوت , ونترك الأخريات يعانين وحدهن , وقد نتجنب التعا
مل معهن وكإن النعوت أصبحت أوشاما على وجوههن ..  أمر مخزي , أمر مؤسف ..

نحن كنساء لا نتعلم حماية أنفسنا من الإسائاة اللفظية و منع وصمات العار المزيف بالإلتصاق بنا , نحن نتعلم فقط أن نتفاداها كل يوم , نتفادى تلك الإساءة بكل الطرق وكأننا نتفادى كرة نارية ملتهبة تتجه إلينا سريعا ... يبدو الأمر وكأنه يتعلق بالموت والحياة ..

لا أحد يعلم حجم الأذى الذي تسببه النعوت , أحيانا تقضي نساء حياتها كلها في الظلام , مع هذه النعوت , تمنع عن نفسها كل مايتعلق بالحياة , والسعادة , إراديا أو إجباريا , لأن معتوها قرر أن ينعتها بالفاسدة , أو إختلق عنها قصة ما تثير الشبهات ... و لأن المجتمع يتكون من عدة أفراد جاهلين , وجبناء , يتحقق مراده بإثارة الشبهة حول من يشاء , بدون حساب , بدون عقاب .

يشارك الجميع في قذف المحصنات , بالهروب من محاسبة المسيء , وعندما يتعلق الأمر بالمحصنات , فإن هذا المجتمع الذي يدعي تكريمه للمرأة , ينسحب كليا بل ويحملها مسؤولية تعرضها للإساءة .

لك أن تخيل , هذا واقع , حقيقي , وشائع!

إن حماية المحصنات من القذف ليس شئنا رجاليا , الرجال لا يستطيعون فعل الكثير , ولا يستطيع أحد إنتزاع الكلمات من الأفواه أو إسكاتها , الحل هو التجاهل حتى يتم خلق رادع قانوني , و تعزيز إحساس الثقة بالنفس لدى المحصنة .

ولكن مايحدث هو أن تقذف المحصنة , ثم يأتي أهلها لصفعها , ثم المجتمع لإقصائها , حتى يبدو لها القبر مكانا جميلا .

وعند تفضل هذا المجتمع يتم إستعمال عبارة تؤكد النعت , وهي السترة! إستر عليها! إستر علي! لتأكيد الصفة بطريقة ما وإعطائها نوعا من القوة , يستوجب التغطية وطلب الرحمة من البشر , الذين هم عبارة عن لحم ودم بقدرات محدودة جدا .

ماذا يمكننا أن نفعل حول قذف المحصنات ؟ حاليا لا شيء , إن هذه الظاهرة قد تفشّت أكثر من أي مرض سار عرفته البشرية , ويزداد شراسة , كلما حاولت النساء تغيير أو تحسيين أوضاعهن , الخارجية والداخلية , حتى نص تحريمها دينيا لا يتلقى إحتراما من الناس .

هل تستحق المحصنة القذف إن كان لباسها أو كلامها يخالف العرف ؟ طبعا لا , العرف ليس مصنعا لصناعة نسخ متطابقة من الناس , مجددا البشر لحم ودم , وقدرات محدودة .

هل نراقب جيدا كلامنا وإن كنا بطريقة ما نساهم في تعزيز ماتكتسبه هذه الظاهرة ؟ لا أعتقد ذلك ...

ماهو التأثير الطويل المدى لتجاهل ظاهرة قذف المحصنات ؟


لن نجد مايردع تكاثر المغتصبين , المسيئين , المجرمين , سيكون أطفالنا في خطر , ستتراجع جودة هذه الحياة التي نعرفها الأن , تخيل , هذه الحياة التي لاتبدو جيدة  على الإطلاق , بإمكانها أن تتراجع بوتيرة أسرع ...


دعو النساء وشأنهن ,  إن كنتم حقا  لا تريدون أن ينتهي بكم المطاف أمام لاشيء سوى الفقر والحاجة والجوع والمرض .


الخميس، 23 مارس، 2017

دليل الأم البديلة

إيماني القوي أن الأمومة ليست وظيفة بيولوجية , ولكن العملية البيولوجية مجرد بوابة تسمح للأم بممارسة أمومتها , فالأمومة فعل , وإحساس , الرحم له دور محدود جدا , وحتى في الطبيعة يحدث أن تعتني الأم بصغار ليسو حتى من فصيلتها , فالرغبة في الرعاية والحماية هي رغبة طبيعية للأنثى .


زوجة الأب , الجدة , العمة , الخالة , القريبة و حتى البعيدة , التي تحمل الطفل وتضمه إليها , تطعمه , تعتني به , و تخشى عليه من الخوف والمرض , هي أم , وأم شرعية بنسبة مئة في المئة .


ولكن! يحدث عند التعامل مع البشر أن تسلط على الأم البديلة دائما إضاءة سيئة , ووضع ملصق المتطفلة عليها , وتذكيرها وتذكير الأطفال دائما بأنها ليست الأم! بسبب أسطورة الدم , والكبد , التي لا علاقة لها بالحب أبدا , بالرغم من ذلك يشار دائما للكبد عند الحديث عن الحب الغير المشروط , لماذا ؟ لا أعرف , هذا سيكون موضوع تدوينة أخرى .. ربما... إن أصابني ملل ما .. على أي حال...



هؤلاء المتطفلون , الأغبياء , لا يعلمون حجم الإثم الذي يقترفونه بحق الأطفال الصغار , ويكون الأمر أكثر بشاعة عندما يكون الأطفال أيتاما .. يتم تذكيرهم دائما بأنهم مشروع خيري للأم البديلة , بدل من إخبارهم بأن يحافظو على هذه الأم البديلة , كلّا! لماذا الدعوة إلى الخير عندما يكون بإمكانك أن تدس السموم في عائلة ما ؟ موروث ثقافي عفن من زرع المكائد والأحقاد ..

على الأم البديلة أن تذكر أطفالها بأنها تحبهم , وبشكل يومي , إختياريا , و بشكل غير مشروط , إنها مسؤولية عظيمة , أن ينتمي إليك طفل قد حياته ومستقبله بين يديك , كوني رحيمة , ولا تتوقعي الكثير , و لا تخشي أن يجحدك هؤلاء الأطفال بعد أن يكبرو , كوني الأم والمعلمة والطبيبة والصديقة , موقعك مميز , إستعملي كل طاقتك للحب ...

إخلقي حاجزا عاليا بين أطفالك و بين كل من يحاول التدخل في تفاصيل علاقتك الخاصة معهم  , لا تمنعيهم عن أمهم إن كانت على قيد الحياة , علاقتهم بها لن تغير علاقتك بهم , الإنسان المحظوظ هو من تكون له أكثر من أم تحبه ,  أخرجي كل الحسابات الشخصية , لا تخرجيها وحسب , إرميها في حاوية القمامة وأتركيها هناك , يوجد ما أهم من تصفية الحسابات , توجد عائلة تحتاج السلام  .

الجمعة، 3 مارس، 2017

السيرة الذاتية لبنت الشريف : تجربتي مع المرض العقلي .

لقد فكرت كثيرا في جدوى نشر هذه التدوينة , هذا جزء من حياتي الذي لا أريد أن أنساه , هذه التجربة أعادت لي رغبتي في الحياة بالرغم من أنها تحكي عن الموت , عرفت خلال هذه التجربة حقيقة مشاعري تجاه الكثيرين , و مشاعرهم تجاهي , و قررت نشرها بتفاصيلها الحقيقية , لأنني لا أشعر بالحرج أو القلق تجاهها , قد يكون هنالك من يفكر في وضع حد لحياته , هنالك دائما أمل , والقليل من العدل يصلح الكون .
نوفمبر 2012 ... أنت مجنونة! أنت معتوهة! هل فقدت عقلك ؟!.. لن أنسى .

أنا لست غبية , أنا لست شريرة , أنا مجروحة , لا أعلم ماذا يحدث في عقلي وأنا أخشى على نفسي وعليكم جميعا , أنتم لا تعلمون قدرتي على التخلّي عن قدرتي على التعاطف معكم , أحيانا حتى وجوهكم تبدو غريبة عنّي .. لا أعرفها! لذلك أهاجمكم .

ولكنني لازلت هنا , حاولو أن تجدوني , لا تزيدوا عمق هذا القبر , أنا هنا من الداخل , عقلي يحيط بي , حيطان سوداء دبقة ضيقة ... هذا ما أشعر به .. أحيانا أشعر بسرعة كل شيء , و في أحيان أخرى كل شي جامد , جامد بشكل مستفز .. إلا أنا ... لا أتوقف .. لا أريد أن أعرف كل هذا عن نفسي.. الوعي , الوعي , الوعي , الوعي , الوعي ...  


لا علاقة لي بهذا العالم أحيانا أنا مجرد طفلة , لازلت طفلة , كل شيء لطيف , كل شيء يثير فضولي , لكنني أعجز عن التواصل .. أعجز عن الخروج من صندوق هو جسدي , إلى العالم الذي يحيط بي . علي أن أقرر التعافي والاستمرار 1000 مرة خلال اليوم , و كل يوم , وحتى اليوم . كل شيء يعود لذلك اليوم , أنا في سكن جديد , مع ناس جدد , أخشى الغرباء , أبقي حاستي الحارسة يقظة وتعمل بكل قوتها , لماذا أحس بأن الجميع يريد أن يؤذيني أو يقتلني ؟

بعد أيام قليلة وأنا على شرفة عالية رأتني بارتل* , التقيتها على الدرج , طلبت مني الجلوس , وسألتني : ماذا كنت تفعلين هناك؟
- ساعديني , أنا أريد الإنتحار .. أنا لا أستطيع التوقف عن الكذب ...

بعد ساعة من الوقت , أنا لازلت أجلس على الكرسي , أراقب الأطفال يلعبون في الحديقة , فجأة! يقف أمامي رجلان بثياب برتقالية..
- يا آنسة! أنا فلان , أنا هنا لمساعدتك , أخبرنا بضرورة القدوم للمساعدة .
كل ما يدور في عقلي : اللعنة! اللعنة! لماذا تحدثت! قاطعني صوت صغير : توقفي عن الكذب , لا تنكري شيئا ... 

سمعته يشير لزميله بأن يحضر العدة الطبية , لا أبدو أنني أتواصل بشكل جيد مع العالم . فقلت له :
- ساعدني , أنا أريد الإنتحار ..
- يا أنسة ؟ هل بإمكانك تحضير حقيبتك ؟ يجب علينا أن ننقلك لمركز العناية ,
- فورا , لا انتظرني هنا..
لم ينتظرني , بل تبعني , وبقي واقفا أمام باب حجرتي , جمعت حقيبتي الصغيرة , واتجهت معه لسيارة الإسعاف .. وهو مصر على أن يمسك يدي , و أنا أمسك بيده , وكأنني أمسك بآخر شخص بقي على وجه الأرض .. 

في مكتب صغير , الطبيب العقلي , يبدو هادئا , وينتظرني , جلس أمامي , ركبتاه قريبتان جدا من ركبتي , سألني : بماذا تشعرين؟ فقلت له :
- أنا أريد الانتحار ... حدّق بي قليلا , وسألني : هل تشعرين بالحزن ؟ هل لديك عائلة ؟
- إنهم السبب , أنا لست حزينة , أنا لا أريد البقاء في هذا العالم , لا أريد الحياة , كل شيء انتهى .

بعد عدة اختبارات و أسئلة , رفع سماعة الهاتف , لم أفهم كثيرا ماكان يقوله , آن ذاك لم أكن أتحدث الألمانية جيدا .. 

جاءت طبيبة طويلة القامة بمعطف أبيض , معها بعض الأوراق , طلبت مني توقيعها لأنني سأدخل (وحدة علاج الاكتئاب*) .. وقعت الأوراق , سمحت لي بمكالمة هاتفية واحدة .. أحسست وكأنني رهينة معتقلة ! يسمح لك بمكالمة واحدة , دخلت إلى غرفة , أخذوا مني قنينة العطر , هاتفي الجوال , تركوا لي ملابسي , دفتري , وبضع أغراض أخرى .. وضعو ما أخذوا في سلة , و أقفلت الخزانة .. أتذكر آخر رسالة نصيّة أرسلتها : أنا في المستشفى

. ذلك الصوت المزعج داخل رأسي يصرخ : ها أنتِ أخيرا في المستشفى العقلي بسببهم ! لأنك لا تعرفين كيف تتصرفين ! كيف ستنفين أنك مجنونة بعد اليوم ؟ أتمنى أنهم يستحقون كل هذا العذاب!

لازالت فكرة الإنتحار تدق ناقوسا في عقلي , انتحري , الموت أفضل , لا يوجد أمل , لن يغفر لك أحد ولا أحد يريدك على أي حال , الموت أفضل من الإهانات , أفضل من الشتائم , أفضل من الكذب .

بعد ثلاثة أيام من المعالجة والعقاقير , وقعت أوراقا أخرى , قم تم إعطائي ورقة تحمل أسماء وعناوين لأطباء نفسيين , معالجين نفسيين , منظمات مسيحية للدعم النفسي , مجموعات دينية ..
لماذا سألجأ لمجموعة دينية أخرى ؟ إن الله قد تخلّى عنّي .. وتركني هنا ... عدت إلى غرفتي , حاولت التحدث معهم ولم يرغبوا بذلك! عند كل مرة ينقطع فيها الاتصال , توجه لي تهمة الدعارة! الدعارة ! الدعارة! أنا لا أعرف عنها شيئا ! أنا حتى أرفض كل مايتعلق بالجنس بسببها , دمرتم حياتي بتلك التهمة ! لماذا لا تخرسون ! لقد مللت من التقيؤ بعد كل مرة يضاجعني فيها زوجي , وأنا أغطي وجهي بيدي وأكرر : أنت لست عاهرة الآن , أنت لست عاهرة الآن..

مضت أيام تشبه بعضها , أحدق لعبوة العقار الخاص بالنوم , أحضرتها , أفرغت محتواها أمامي .. رميتها في سلة المهملات ... لدي زميلة في السكن تأخذ عقارا جيدا , تخبرني عنه كثيرا , دخلت غرفتها خلسة , سرقت الدواء , ابتلعت عقارا تلو الآخر , لم يحدث شيء , شربت كأسا تلو الكأس ... هاهو يحدث الآن ,أحس عقلي ينتشر حولي , جسمي ثقيل , كل الأصوات عالية! فجأة ... صمت رهيب , إني أرى الظلام يتجمع حولي , إلا بقعة واحدة ... أرى أبي , صديقتي التي فارقت الحياة , بيتنا , المحيط , حذائي الأحمر المفضل , ساحة المدرسة , أسماء كثيرة , ألوان كثيرة , الضوء , الظلام , إنه الموت ...

لا أتذكر شيئا , إلا أنني استيقظت في الليل , في مكان لا أعرفه! غرفة لها باب زجاجي عملاق , نوافذ عملاقة , في وقت متأخر من الليل ... نهضت , لازلت بملابس النوم , ماهذا المكان ؟ الحياة الآخرة ؟! أرى ممرضا بملابس زرقاء يتجه للباب راكضا , أنا لم أستطع المشي كثيرا , سقطت على الأرض , أين أنا؟! حملوني ووضعوني على سرير , جاءت الطبيبة , نظرت إلي , صوبت على عيني بمصباح مضيء وقالت : إنها هنا! حية... لماذا أقدمتِ على فعلتك الغبية؟. أخذت عقارا آخر , وعند الصباح أحسست مجددا بكل شيء , أنا جائعة , عطشانة , متعبة , أحس و كأنني أتنفس لأول مرة , أشرب الماء لأول مرة , حتى نظرت إلى انعكاس بشع على المرأة ... ماهذا القبح! إنها أنا ... وجهي شديد الاصفرار ... مرت الأيام , الممرضون يراقبونني من بعد وكأنني قنبلة موقوته , عند أي حركة , أراهم يضغطون أزرار جهاز حول أحزامهم , فيأتي المزيد منهم , تبا لتلك الملابس الزرقاء البشعة أخبرتني الطبيبة بأن اليوم هو الأحد صباحا , ولقد ظننت أننا لازلنا في يوم الخميس ! أين كنت لثلاثة أيام ؟ قالت : الإنعاش .. بعد عدة جلسات مع الطبيب انهرت بدأت أصرخ و أريد الركض إلى باب في آخر الممر , لاحقني الممرضون , قامو بربطي بأحزمة بيضاء , فوق سرير بارد , الحقنة تدخل وريدي المهتريء , يا إلهي .. مر أسبوع كامل ... اتركوني أعود لبيتي , لقد تعلمت أن لا أخبر أحدا بأنني أريد الانتحار مجددا!. وقعت أوراقا أخرى , أخذت معي أوراقا , ليس لدي ملابس , أو حتى حذاء , فقط ملابس نومي , طلبت هاتفا , اتصلت بصديقة أخرى ثم أخبرتها : أنا في سانتا مارينا درت بصوت مرتفع غاضب : ماذا تفعلين في مستشفى المجانين! قلت لها : لا أعرف ولكنني سأخرج اليوم .. كان الغرض من اتصالي أن أسألها أن تحضر لي ملابسا , ولكنني أحسست بالإهانة! فلم أطلب شيئا , وكان شهر نوفمبر باردا , خرجت أحمل كيسا صغيرا , أوراقي , وألف رداء ليليا , و في قدمي حذاء منزلي ناعم جدا , قدمته لي مريضة كانت معي في الحجرة , وقدمت لي لوحا صغيرا من الشوكولا , وحضنتني , وقالت لي : لا تعودي هنا أبدا! لن أعود أنا كذلك .. جلست في الترام , متجهة للمنزل , أتمنى أن يزيح الناس أنظارهم عندي! نعم أنا أرتدي بيجامتي , نعم أنا خارجة للتو من مستشفى عقلي , هل تريد قطعة من مما أشعر به ؟... في السكن , جاءت صديقتي لغرفتي بسرعة! ياإلهي أيتها الغبية! لقد قلقنا عليك كثيرا! ماذا كان سيحدث لك لو لم نجدك .. أخبرتني صديقتي أنها وجدتني مستلقية على بطني , باردة , ظنت بأنني قد فارقت الحياة , و رافقتني إلى المستشفى , حيث أخبروها بأن حالتي تبدو متأخرة , وقد أموت , فطلبت منهم الانتظار , عادت لغرفتي , حملت جواز سفري وبطاقتي الصحية , وأخبرتهم أنني في حالة فقدت الحياة , أن يخبروها , وأخبرتني أنها انتظرت حتى المساء وعادت إلى البيت , وبحثت عن أي رقم هاتف لأي أحد لتخبره أنني على فراش الموت , ولم تجد أحدا , ولم تعرف أين تم نقلي ... ماذا تعلمت من تلك المحنة ؟ أن حياتي لا تقدر بثمن , وليست دينا لأحد , ولا أحد يستحق أن تسحق من أجله روحي هكذا ..

الاثنين، 27 فبراير، 2017

شجرة العائلة البشرية : زيارتي لمتحف النياندرتال .

تماثيل تحاكي واقع عائلة من عائلة النياندرثال خلال العصر الجليدي
هذا السؤال الذي لم يفارقني أبدا , من أين أتينا ؟ كيف وصلنا إلى هنا ؟ لماذا يتشابه البشر رغم إختلافهم ؟

تعلمت لاحقا الكثير عن عائلة البشر ,  أنواعهم , أين كانو ؟ أين ذهبو ؟ من أنا بالنسبة لهم ؟ ومن هم بالنسبة لي..

ولم يتوقف هذا الفضول ولا أعتقد أنه سيتوقف يوما , شغفي بالتاريخ , بكل ماهو منقوش على حجر , بالزمن القديم , بأسلافي السابقين ..

أمي الأرض , أخبريني عن أسرارك , أريد أن أعرف كل شيء!...


في البداية , إنتصب الإنسان على ساقيه , ووضع يديه جانبا , ثم تمشى على قدميه من جنوب أفريقيا , إلى شمال أوروبا , إلى أقصى شرق أسيا , وحتى أخر قطعة يابسة على وجه الأرض .

كانت هذه هي سبيل البشرية الوحيد والمستمر , الهجرة , البحث عن الحياة , ولكن شكلها اليوم يبدو مختلفا جدا .

في كل كهف وفي كل جبل وفي كل هضبة وعلى كل تّلة قصة , محفورة في عظام يجدها العلماء , أسلافنا تركو لنا من حياتهم الكثير ..


فضولي حول هذه الرحلة وهذه الحياة , قادني حتى وقعت في حب عالم جيولوجي , قضى 10 سنوات وهو يتنقل حول الأرض بحثا عن الحفريات , بحثا عن جواب لنفس السؤال الذي أبحث عنه وخلاله .. حتى إلتقينا .. وها نحن نبحث معا ..

كانت في إحدى لقائاتنا الأولى , أخبرته كم أحب علم الإنسان , ما كنت أجده في كتب المدرسة لم يكن يكفيني , أريد أن أعرف المزيد عن الإنسان القديم , و قال لي : هنالك متاحف كثيرة هنا , أنا أعدك بزيارة لها معا .. وأكملنا المشي في طريقنا , ومرت عدة سنوات ..

حتى يوم كنت أكتب عن الموضوع على صفحتي الشخصية على موقع تويتر , سألني مارتن : ماذا تفعلين ؟ قلت له : أكتب عن إنسان النياندرثال , هذه السنة قررت تخصيص الجزء الأكبر من قرائتي الحرة عن الأنثروبولوجي... ثم أومئ برأسه .

في صباح اليوم التالي إستعدت لموعد مهم لدى طبيب الأطفال , إبنتي تحتاج لقاحا أخرا , وبعد نهاية زيارتنا للطبيب , قال لي مارتن : أريد أن نذهب إلى مكان ما معا , الأن .. هل لديك كل ماتحتاجينه ؟

بحثت في حقيبتي : محفظتي , مفاتيحي , دفتري , كل شيء موجود , هيا بنا! قلت له .




كان يوما مثلجا , باردا , لم أكن أعرف أين نحن ذاهبون , فجأة رأيت لافتة كبيرة كتب عليها ( نياندرتال*) ... إلتفت إلى مارتن : البارحة أخبرتك ! اليوم ! لم تنسى؟ ! أحبك كثيــــرا!



مدخل المتحف . 

توقفنا عند متحف الإنسان القديم , في هذا الإقليم الصخري , عثر على أول محفورات لشعب النياندرثال (Homo neanderthalensis) سنة 1856 , و الذي عاش يجوب أوروبا قبل 350 ألف سنة مضت , و هم أحد أسلاف الإنسان العاقل الذي نعرفه اليوم , و بني هناك متحف يحمل الجزء الأكبر من بقايا ذلك الإنسان , وحضارته .. كما وجدت له أثار أخرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا , ولا يعلم أحد كيف إنقرض بالضبط , ولكنه إختفى من على وجه الأرض وإندثر منذ حوالي 40 ألف سنة .
أنا والسيد 4%

نحن نحمل اليوم بقايا جينية لهذا الإنسان , تشكل 4% من الحمض النووي لدينا , بداخل هذا المتحف يوجد تمثال جميل  وهو عمل فنّي معاصر , لرجل من شعب نياندرتال , يرتدي بزّة معاصرة , و قصة شعر جميلة , وإسمه : السيد 4% * .


كل ما أريد معرفته , أحضرت دفتري , و إبتدأت في تسجيل وتصوير كل شيء! أنا لا أجد السعادة إلا بين جدران المتاحف و أمام أمواج المحيط ..



عاش الإنسان النياندرثالي داخل الكهوف , فلقد وصل إلى أوروبا خلال العصر الجليدي للكرة الأرضية , وعاش خلال أقسى الظروف البيئية , ولكنه تعلم صناعة الأدوات , وتعلم النقش والرسم , وعلم عن وجود الإله , وكان لهم دين و طقوس كثيرة ..

بعض أدوات الإنسان النياندرتال 

عند النظر خلال منحوتات هذا الإنسان , نجد تصويرهم لجسد الإله الجميل المؤنث , فكانت معظم تماثيلهم وأعمالهم الفنية تحمل نقوشا ورسوما نسائية , أعتقد إن الإنسان النياندرثالي كان يحترم الأم كذلك ..

ودّع النياندرثاليون أمواتهم بعدة طرق , كانو يدفنون أمواتهم , ثم يقفون لحظات صمت , ويمضون في طريقهم للبحث عن المأوى والغذاء , وبعض منهم كانو يؤمنون بأكل لحم الميت , وترك عظامه فقط , دليلا على الحب والخوف من إفتراس الحيوانات المتوحشة لجثة المتوفى ..


ملامح وجه الإنسان النياندرتال المعاد تصويره


كانت لهم موسيقى تخصهم , كانو يحبون أطفالهم , بنيتهم القوية وقامتهم القصيرة ساعدتهم على التأقلم مع مناخ القارّة الجليدي , كانو يصطادون جيدا , ويتغذون على اللحوم والأعشاب كذلك , بالرغم من كبر حجم أدمغتهم التي هي أكبر من الدماغ البشري المعاصر  , لم يعرف جيدا إن كانت لديهم القدرة على الكلام أو لغة خاصة ربما بسبب صغر حجم حناجرهم ربما  , بالرغم من إنهم إستطاعو تدوين حياتهم من خلال فنونهم , و نقوشهم المميزة , وصناعتهم لأدوات متطورة مقارنة بزمنهم , كذلك معرفتهم بطرق إشعال وإستعمال النار .
صور حول المتحف 




توجد اليوم العديد من الإكتشافات الجديدة , مستحثات أخرى تخص هذا الإنسان وجدت شرق أوربا , وجنوبا عند مضيق جبل طارق , وتعتبر هذه المستحثات هي أعمال فنيّة أوليّة لإنسان النياندرثال , الذي فتح أبوابا جديدة في خريطة الجينوم للجنس البشري ...



لا أحد يعرف كيف إختفى هذا الإنسان , هل إندثر عندما تزاوج مع الإنسان العاقل الأول؟  هل وقع بينه وبين هذا الإنسان العاقل صراع ما حول الغذاء ؟ هل كانت حرب إبادة عرقية ؟هل إندثر بسبب الجوع ؟ ماهو سبب إنقراض هذا الإنسان المبدع , الفنان , والصياد الماهر ؟... لا أحد يعلم الجواب حتى اليوم ..


شاهدت الخريطة البشرية , أنواعا بشرية أخرى , تحمل أسماءا لطيفة , الإنسانة لوسي , فتى التاركانا , الإنسان القديم المغربي , شجرة عائلتنا البشرية الملوّنة والجميلة , هل سنترك لهم نحن مدونات عما نفعله الأن ؟ هل سأكون أنا مستقبلا عظاما يدرسها علماء من عرق بشري جديد سيتسائل , أين إختفينا ؟ وكيف كان مصيرنا ؟...

ودعت المتحف , وإتجهت أنا و مارتن إلى أحد الصخور , ودعنا نياندرتال معا , قبلتّه تشكّرا على هذه الرحلة اللطيفة ... وداعا أيها الأسلاف ... 


الموقع الإلكتروني للمتحف : http://www.neanderthal.de/

بنت الشريف 

الأحد، 20 نوفمبر، 2016

أم للمرة الثانية .

-
إنه الأسبوع الأخير من حملي ، و أنا في أثقل وزن لي على الإطلاق ، كل شيء متعب ، لست على مايرام و كل شيء يبدو صعبا ، لا أستطيع النوم ، ولا الوقوف ، ولا حتى الجلوس ، أنا في حالة من القلق ، الترقب المتواصل أنهك عقلي ، كل شيء يبدو بعيدا وأحس بالعجز ، لا أعرف ماذا سأفعل " ...

هذا شعور جديد ، سأستقبل طفلتي ، أعتقد أنني سأقدر على مواجهة المخاض ، أعرف الألم جيدا ، لا أعتقد أنه سيكون بذلك السوء ، لم أكن أعرف بعد أن ذلك المخاض سيمتد لثلاثة أيام متواصلة ، سأتعرف خلالها على حجم قوتي الحقيقية ، سيفاجئني جسدي بقدرته على تحمل حياة جسد آخر بداخله ، ومساعدته للعبور لهذا العالم بسلام ..

الشمس تتحرك بسرعة في اتجاه غروبها ، إنه فصل الخريف ، الهواء أصبح أكثر برودة ، الغيوم أكثر كثافة وتغطي الجزء الأكبر من السماء ، الأوراق الصفراء متناثرة على الأرض ، أشاهدها تتساقط بهدوء ، أعود لغرفتي بكوب دافيء من نقع الزنجبيل لأجلس أمام فراش طفلتي المزين بوسادة بيضاء و ملاءات وردية ، أنتظر بشوق تلك الآلام التي يخبرونني عنها ، أنتظرها في كل لحظة وفي كل مرة تسبقها دموع لا أعرف كيف أحبسها .

أحسست بأول ألم يخترق ظهري كالسهم ، ثم اختفى بعد ذلك ليعود بعد أيام بشدة ، أخبرت مارتن بأنه علي الذهاب للمستشفى ، ربما آن أوان وصول الطفلة ولا أريد أن أنتظر في البيت ، أنا أخشى كل تلك المضاعفات الجسيمة والتعقيدات التي قرأت عنها خلال الحمل ، أخشى أن يقع لي مكروه في البيت وأضطر لأن أضع حياتي وحياتها في خطر ، حملت حقيبتي ورميتها في السيارة واتجهنا إلى المستشفى معا ، لم نتحدث كثيرا خلال ذلك الوقت ، كنت أحس بقرب مارتن مني ولكن قلقه المتزايد أصابني بالتوتر ، لم أكن أعرف هل أبدو على مايرام أم لا؟ ( لا أعتقد أنها جاهزة للولادة اليوم ، ولكن على كل حال وجب عليك البقاء هنا تحت المراقبة في حال حدوث أي شيء ، يبدو أنك تأخرت عن موعد الولادة بأيام ، ولكن هذا يبدو شائعا لا تقلقي ، كل شيء سيكون على مايرام ) ، لم أستطع أن أجاوب الطبيبة وهي تلقي علي هذه الكلمات ، كان التعب قد التهم من حواسي الخمس كثيرا ، فتركني بعينين مغلقتين معظم الوقت ، مرت الأيام و جاء اليوم الأول من المخاض ، والثاني ، حيث لا أنام ، ولا أعرف الوقت ، و إحساسي بذاتي مضلل بسبب مسكنات الألم التي أتناولها باستمرار ، طفلتي مرهقة كذلك أستطيع أن أشعر بذلك ، مارتن ينام فوق كرسي ويبدو عليه التعب ولكنه يبتسم لي ، ويحاول تشتيت القلق بمزحاته ، أضحك قليلا ، أحاول إقناعه بأن يذهب لينام في البيت ، من الصعب علي مشاهدته وهو يبدو غير مرتاح هكذا ، بين الحين والآخر تزورني إحدى القابلات لتراقب حالتي ، ولتأخذ الورقة التي عليها قراءة الجهاز الذي يراقب نبضات قلب الجنين ، ونبضات قلبي معا..

في مساء ذلك اليوم المتعب أردت أن أنام ، في محاولة مني لتجميع القليل من القوة ، بحالتي هذه لن أستطيع أن أساعد الطفلة في وصولها ، في الغرفة الأضواء الجانبية هادئة ، أستمع إلى أغاني Alicia Keys المفضلة لدي و أشد الحبل المعلق بالسقف عند كل انقباض ، وعند كل تشنج ، و أنا أخبر نفسي أنه حان الوقت ... في صباح اليوم التالي تحدثت مع القابلة مجددا ، أخبرتني أنه وفي العديد من الحالات تتعود الحامل على وجود جنينها داخل رحمها ، فيتأخر الجسم في تجهيزه للولادة ، وكأن الحامل لا شعوريا لا تريد أن يفارق الطفل رحمها ، فوضعت في يدي بعض الأدوات الطبية التي يربط بها الحبل السرّي ، الملابس التي سترتديها الطفلة عند ولادتها ، في محاولة لوضع اللّاشعور الخاص بي تحت الاختبار ، إن كنت أنا أيضا أرفض أن أتخلى عن جنيني ... وكان كذلك ، مرت ساعات قليلة بين زوال ذلك اليوم و عصره ، وصلت إلى هذا العالم بسلام و في هدوء وبصحة جيدة ، كنت أحملها بين ذراعي لأول مرة ، لحظات من السعادة التي لا تصفها كلمات أبدا ، حملتها لأقبلها لأول مرّة ، لقد اختفى ذلك الألم ، اختفى ذلك القلق ، أحسست أنها بداية جديدة لحياتي ... لقد علمتني هذه التجربة أن أحب جسدي لقدرته على احتواء الحياة وليس لجمال هيئته وما يبدو عليه ، كذلك تعلمت أن هذه التضحية التي قدمتها لهذه الطفلة هي تضحية لن أنتظر عليها جزاء أو شكرا من أحد ، إنها تضحية لنفسي ، لأعبر بها بوابة جديدة كامرأة ، كأم ولود ، في أحد أكثر خنادق الحياة خطورة للأنثى ، وهاهي اليوم تنام بين قلبي وقلب والدها ، وعمرها يناهز الشهر ، وفي صباح كل يوم أشتاق لرؤيتها كثيرا ، أنتظر حبها بفارغ الصبر ، أنتظر الغد الذي ستهديها إياه الحياة ، أنتظر أن أعيد استكشاف هذا العالم معا ، أنتظر ضحكاتها و أنتظر تمردها وشغبها ، أنتظر نضوجها ، أنتظر تخرجها ،حبها الأول , زفافها , أطفالها ... هي أيضا بركة حملتها بداخلي واليوم أحملها بين يدي في كل يوم ...

صور خاصة من المستشفى EKO , المخاض , الولادة , اللقاء الأول ...